عبد القادر الجيلاني

476

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

على أن الصادر من بعض الأولياء من التبشير بالجنة ليس مخالفا للسنة صدور ذلك من متبوعهم الذي إنما شرفوا بالاقتداء به نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فقد بشر جماعة من الصحابة بدخول الجنة وكان ذلك من معجزاته ، وقد ثبت من قبل جمهور أهل السنة أن كل ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي ، وإذا جاز أن يطلع على عاقبه أمره عند جماعة من المحققين جاز أن يطلع على عاقبة أمر غيره بأحرى . وقول أئمتنا رضي اللّه عنهم بترك الحكم بالجنة أو بالنار في حق من لم يخبر عنه بذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم مرادهم باعتبار النظر إلى عمله من الطاعة أو المعصية إذ لا يحصل به قطع لاحتمال أمور لا تخفى . أما الجزم بذلك في طريق الكرامة للأولياء بما اطلعهم اللّه عليه من غرائب ملكه وملكوته ، فليس بمراد لهم وإنما أطلقوا ولم يستثنوا هذا القسم نظرا منهم إلى الغالب وندور من يصل من الأولياء إلى هذه الكرامة بل لندور من يتصف بأصل الولاية . اه . ثم قال المعترض : ما ملخصه من هذيان نحو تسع صفحات ، ومن العجائب ما نقله أي الشطنوفي بأسانيده الكاذبة عن الشيخ عبد القادر قال قدمي هذه على رقبة كل ولي للّه ، وإن الأولياء طأطأت رؤوسها له وأكثر اللغط والضجيج بنقل مثل ذلك على ألسن أعيان الأولياء كل ذلك كذب مختلق وطيش مذهب للدين وحاشا الشيخ عبد القادر من القول بمثل ذلك ، فإنه كان من أنصار الشريعة ومن المقربين من اللّه والقريب لا يزال خائفا وهذا شأن المحجوبين ولو صدرت منه ، فهفوة سكر لا يؤاخذ عليها كما نبه عليه الشهاب السهروردي في العوارف وهي حالة من أحوال المريدين المبتدئين . ثم نقل المعترض كلام العوارف الزاعم الاحتجاج به وهو مبحث التواضع كله على طوله ، ومحل الحاجة [ 38 / ق ] الذي اعتمده المعترض منه أن المشايخ بالغوا في شرح التواضع قصدا لقمع نفوس المريدين خوفا عليهم من العجب والكبر ، فقل : إن ينفك مريد في مبادئ ظهور سلطان الحال من العجب حتى لقد نقل عن جمع من الكبار كلمات مؤذنة بالإعجاب ، وكلما نقل من ذلك القبيل عن المشايخ لبقايا السكر وانحصارهم في مضيق سكر الحال وعدم الخروج إلى قضاء الصحو في ابتداء أمرهم ، كقول بعضهم : قدمي على رقبة جميع الأولياء ، وقول بعضهم : طفت في أقطار الأرض ، وقلت هل من مبارز فلم يخرج إليّ أحد .